ثقافة

من الترفيه إلى الصناعة.. “الستاند أب كوميدي” في الإمارات تروي المجتمع بلغة الضحك

لم تعد خشبة الكوميديا الارتجالية، أو ما يُعرف بـ”الستاند أب كوميدي”، في دولة الإمارات مجرد مساحة للترفيه وتمضية الوقت، بل تحولت تدريجياً إلى مرآة تعكس ملامح المجتمع وتحولاته، ومنصة تلتقي عليها حكايات البيت والعمل والعلاقات اليومية، لتُعاد صياغة المألوف من زاوية مختلفة، وتُمنح التفاصيل العابرة فرصة لأن تُروى وتُناقش. وفي مجتمع تتجاور فيه ثقافات ولهجات وتجارب إنسانية متعددة، يكتسب هذا الفن بُعداً إضافياً، إذ يتحول الضحك إلى لغة للمثاقفة، ومساحة لاكتشاف المشترك الإنساني دون أن تفقد الحكاية المحلية خصوصيتها.

وبينما يتسع جمهور هذا الفن، وتحجز عروضه مكانها ضمن المهرجانات المسرحية والفعاليات الثقافية ومعارض الكتب، تتجاوز التجربة حدود الظاهرة الترفيهية العابرة، لتطرح تساؤلاً حول إمكانية تحولها إلى صناعة إبداعية مستدامة، لها جمهورها ومواهبها ومنظومتها الخاصة.

وفي هذا السياق، أكد الفنان سيف بن صويلح أن “الستاند أب كوميدي” في الإمارات بات فناً حقيقياً له جمهوره ومكانته الراسخة في المشهد الثقافي والترفيهي، مشدداً على أن استمرار تقديم العروض وامتلاء المسارح، إلى جانب اهتمام المؤسسات الثقافية بضم هذا الفن إلى فعالياتها، ومنها معارض الكتب، يؤكد تحول التجربة من ظاهرة عابرة إلى جزء أصيل من الواقع الثقافي المحلي.

وأوضح بن صويلح، الذي يمارس هذا الفن منذ عام 2013، أن جوهر “الستاند أب كوميدي” يقوم على تفاصيل الحياة اليومية المرتبطة بالبيت والعمل والزواج والعلاقات الاجتماعية، وحتى المواقف البسيطة في المجالس والشارع. وأشار إلى أن الكوميديا بالنسبة إليه ليست مجرد إلقاء نكات، بل هي “توثيق ساخر للحياة والمجتمع في مرحلة معينة”، حيث يلتقط الفنان مواقف يعيشها الجميع، ويعيد تقديمها من زاوية جديدة لم تكن ملحوظة من قبل.

وفيما يتعلق بتطور ذائقة الجمهور، أوضح بن صويلح أن التحدي الأكبر في البدايات كان يتمثل في عدم معرفة الجمهور المحلي بهذا الفن، وتداخل مفهومه مع المسرح التقليدي أو مقاطع التواصل الاجتماعي القصيرة، لافتاً إلى أن الجمهور اليوم أصبح أكثر وعياً وشغفاً، وباتت العروض تشهد حضوراً كاملاً، وهو ما يعكس، بحسب قوله، إيجاد الناس مساحة تعبّر عن قصصهم وتفاصيل حياتهم بصدق وقرب.

وحول قدرة الكوميدي الإماراتي على الوصول إلى جمهور متعدد الثقافات، أكد بن صويلح إمكانية تقديم الهوية المحلية بصيغة عالمية مفهومة للجميع دون أن تفقد أصالتها، مستنداً إلى تجربته في تقديم عروض باللغتين العربية والإنجليزية أمام خلفيات ثقافية متنوعة، موضحاً أن المشاعر الإنسانية الحاضرة في القصص الإماراتية، كالعلاقات الأسرية وضغوط العمل والمواقف الاجتماعية، هي مشاعر مشتركة يتفاعل معها الجميع. وأضاف أن دور الكوميدي يكمن في تقديم المدخل المناسب للجمهور دون الحاجة إلى شرح النكتة أو تغيير الهوية لإرضاء الآخرين، مؤكداً أن الخصوصية المحلية هي ما يمنح الكوميدي الإماراتي تميّزه.

وفيما يخص تحويل هذا الفن إلى صناعة إبداعية مستدامة، دعا بن صويلح إلى توفير منظومة متكاملة تشمل مساحات مسرحية وبرامج منتظمة، ومسارح تحتضن عروضاً أسبوعية، ومساحات تدريبية للمواهب، إلى جانب تكامل الجهود بين الفنان والكاتب والمنتج والمنظم والمسوّق، وتسهيل إجراءات تنظيم العروض والتصاريح، مشدداً على أهمية دعم المواهب الشابة ومنحها مساحة آمنة للتجربة والتعلم أمام الجمهور، مؤكداً أن الكوميدي الناجح يصنعه الوقوف المباشر لساعات على خشبة المسرح، لا مجرد مقطع عابر ينتشر على منصات التواصل الاجتماعي.

واختتم بن صويلح حديثه بالإشارة إلى التحديات الاجتماعية التي رافقت هذه التجربة، موضحاً أنها مرت بفترات أثار فيها ظهور كوميدي إماراتي استغراب البعض، وأحياناً هجوماً إلكترونياً، مؤكداً أن النقد الواعي مطلوب لتطوير التجربة، وداعياً المواهب الشابة إلى التحلي بالصبر والالتزام واحترام المجتمع دون الخوف من الانتقادات المحبطة، مشدداً على أن المعيار الحقيقي للاستدامة هو جودة الأثر وإقبال الجمهور، لا الضجيج المؤقت على وسائل التواصل.

من جانبه، أكد الفنان عبدالله القصاب أن صعود فن “الستاند أب كوميدي” في الإمارات أضفى أبعاداً جديدة على المشهدين الثقافي والاجتماعي، مشيراً إلى أن هذا الفن منح التفاصيل الصغرى في الحياة اليومية مساحة للبروز على خشبة المسرح. وأوضح أن الكوميديا تنطلق أساساً من الملاحظة الدقيقة، إذ يستحضر الكوميدي مواقف متكررة يعيشها الجميع، ليعيد تقديمها بمنظور جديد يمزج بين الواقع والدعابة، لافتاً إلى أن قضايا المجتمع لا تتجلى في العناوين الكبرى فقط، بل تتكشف بوضوح أكبر عبر تفاصيل العلاقات الأسرية وظروف العمل والاختلاف بين الأجيال.

وحول خصوصية التجربة الكوميدية المحلية، أشار القصاب إلى أنها تنبع من العيش في مجتمع يتمتع بهوية محلية أصيلة، إلى جانب كونه من أكثر البيئات تنوعاً ثقافياً في العالم، وهو ما يمنح الفنان مادة استثنائية للابتكار، مؤكداً أنه لا حاجة لتجريد النكتة من هويتها لكي يفهمها جمهور متعدد الجنسيات، إذ يكفي تقديم القصة بصدق، ليلمس الجمهور من خلالها مشاعر إنسانية مشتركة كالإحراج والخوف والغيرة والتوقعات الاجتماعية، بصرف النظر عن الخلفيات الثقافية.

وفيما يتعلق بمستقبل هذا القطاع، أوضح القصاب أن الانتقال بـ”الستاند أب كوميدي” من تجارب فردية إلى صناعة إبداعية مستدامة يتطلب منظومة متكاملة تشمل توفير مساحات للتجريب، وتنظيم ليالي “الأوبن مايك”، إلى جانب تأهيل منتجين ومنظمين يفهمون طبيعة هذا الفن، منبهاً إلى أهمية الاستثمار في الكاتب الكوميدي والمؤدي معاً، باعتبار أن بيئة العمل المستدامة هي التي تتيح للموهبة حرية التجربة والتعلم وتطوير موادها الكوميدية.

واختتم القصاب حديثه بالتأكيد على أن الإمارات تمتلك مقومات حقيقية لبناء مشهد كوميدي فريد، بفضل توافر القصص والجمهور والتنوع الثقافي، معتبراً أن هذا المجال يجمع بين البعد الثقافي والترفيهي والاستثماري، وهو ما تجسد بالفعل في مشاركة الكوميديين المحليين ضمن فعاليات بارزة، من بينها معارض الكتب الدولية ومؤتمرات ريادة الأعمال.

زر الذهاب إلى الأعلى